تبلیغات
معرفی اسلام ناب، بدون حاشیه و به دور از تعصب - ادله حکم فقهی رفع الیدین حین التكبیر 2

و لا خفاء فی دلالتها على رجحان الرفع بما هو رفع، كما سیأتی فی المتن:

من استقلاله فی الرجحان، و لا مساس لذلك بالارتباط بالتكبیر، اللَّهمّ إلّا بالارتكاز و المعهودیّة، و أنّه- أی الرفع- إنّما كان بلحاظ التكبیرات المحفوف بها الركوع و السجود. نعم: فی ما رواه عن الشهید (فی الذكرى) عن كتاب الحسین بن سعید عن علیّ علیه السّلام: رفع الیدین فی التكبیر هی العبودیّة «4».

و منها: الروایة الاولى من الباب التاسع من أبواب تكبیرة الإحرام، لإطلاقها الشامل لأیّ تكبیر كان، بخلاف 2 و 3 منه، لقصورهما عن الزائد على التكبیرات الافتتاحیّة من الركوع و نحوه. و هكذا 5 و 6 منه. و أمّا 12 و 14 منه: فلا ظهور لهما فی كون الرفع عند الركوع و غیره كان للتكبیر، كما أنّ 9 منه قاصر عن العموم و الإطلاق الدالّ على رجحانه لكلّ تكبیر لو لا التقیّة. نعم: ذیل 14 منه كاف فی الإطلاق، إذ فیه «.. و إنّ زینة الصلاة رفع الأیدی عند كلّ تكبیرة» فیشمل جمیع تلك التكبیرات حتّى الافتتاحیّة الّتی یؤتى بها قبل تكبیرة الإحرام- بناء على المختار من كونها هی الأخیرة- و السرّ أنّها معدودة من صقع الصلاة عرفا، فیشملها ما دلّ على أنّ رفع الید عند التكبیر زینة الصلاة.

و لا غرو فی ضعف سند بعض هذه النصوص بعد صحّة بعضها الآخر، مع كون الحكم مستحبّا فی مستحبّ. و لا خفاء فی أنّ المطلوب هو إحداث الرفع عند كلّ تكبیر، لا مجرّد وقوعه حال الرفع و إن كان بقاء، و النصّ أیضا دالّ علیه، لأنّه المنساق من 14 و غیره.

الجهة الخامسة فی ضم الأصابع حال الرفع بالتكبیر

و المتراءى من محكیّ «الذكرى» هو وصول النصّ إلیه بالتفریق فی الإبهام و الضمّ فیما عداه. و لم نجد ما یدلّ علیه.

و فی «المدارك» و لتكن الأصابع مضمومة، كما یستفاد من روایة «حمّاد» فی وصف صلاة الصادق، انتهى. و ردّه فی «الحدائق» بعدم اشتمال خبره على رفع الیدین فی تكبیرة الإحرام فضلا عن كونها حال الرفع مضمومة أم لا، و قد صرّح بالرفع فی تكبیر الركوع و تكبیر السجود، و لكنّه أیضا غیر متضمّن لضمّ الأصابع، إلخ.

أقول: و الظاهر: أنّ الروایة بصدد بیان أعلى المراتب، و لا ریب فی كون «الحمّاد» الّذی هو من الأجلّاء عالما بمقوّماتها و جلّ من مندوباتها و هی الّتی كانت مشهورة دارجة و منها الرفع حال التكبیر، و سرّ عدم التعرّض هو اشتراكه مع الصادق علیه السّلام فی الإتیان، فمعه لا داعی حینئذ إلى النقل، فلذا اقتصر على ما لم یأت هو به فی عمله.

نعم: إثبات بقاء الضمّ إلى حال الرفع بالتكبیر یحتاج إلى شاهد، و استصحاب تلك الحال متوقّف على ثبوت الحكم الشرعی للمستصحب و لو بقاء فی الرتبة السابقة حتّى یتعبّد بالجرّ و عدم النقض، و من المعلوم: أنّه لیس فی وسعه إثبات ذلك البتّة، لأنّ المتوقّف على حكم لا یكون دلیلا مثبتا له، و إن ضمّ إلیه كونه علیه السّلام بصدد البیان.

و قد یتمسّك بما رواه «المستدرك» عن أصل زید النرسی، إنّه رأى أبا الحسن الأوّل علیه السّلام إذا كبّر فی الصلاة ألزق أصابع یدیه: الإبهام و السبّابة و الوسطى و الّتی تلیه، و فرّج بینها و بین الخنصر «1».

و تقدّم وهن السند باشتمال ذلك «الأصل» على ما ینافی التوحید الّذی أسّسته ید التشیّع و أتقنته ید الولایة مبرهنا بما یخضع لدیه العقل و ینطق به القرآن، و هو من شواهد الدّس، و لا ریب فی عدم الاعتماد على الكتاب المدسوس، إلّا مع إحراز سلامة ما یتعلّق بالمقام.

و أمّا الدلالة: فظاهرها تفریق الخنصر عمّا عداه من الأصابع. و لعلّ هذا الذیل مرجوم بالشذوذ، فلذا صرّح فی المتن بضمّه أیضا.

 

 

الجهة السادسة فی استقبال باطن الیدین إلى القبلة

و قد یتمسّك له بما رواه عن منصور بن حازم، قال: رأیت أبا عبد اللَّه علیه السّلام افتتح الصلاة فرفع یدیه حیال وجهه و استقبل القبلة ببطن كفّیه «2».

و دلالته- بعد انضمام كون استقبال باطن الكفّ تجشّما لا یرتكب لو لا الرجحان، و إلّا فمجرّد الفعل قاصر عنه- خاصّة بتكبیر الافتتاح، دون ما عداه من التكبیرات الأخر. و هكذا ما رواه عن جمیل، عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام «3».

نعم: لا یحتاج فیه إلى انضمام تلك المقدّمة، حیث إنّ فیها وقع الاستقبال تفسیرا للنحر المأمور به فی قوله تعالى «وَ انْحَرْ» فیدلّ على الرجحان. و لكنّه خاصّ بالافتتاح، كما ذكر. اللَّهم إلّا بمعونة ما تقدّم: من روایة الفضل بن شاذان عن الرضا علیه السّلام، إذ فی ذیله «.. و كلّ سنّة فإنّما تؤدّى على جهة الفرض إلخ» «1» فیدلّ على رجحان تأدیة التكبیرات الأخر بكیفیّة تأدیة تكبیر الافتتاح الّذی یكون فریضة فی أصل الرفع و فی وصفه من الاستقبال بباطن الكفّین، كما ذكر.

و لیكن هذا أیضا وجها آخر فی التسویة بین الواجب و المندوب فی الرفع المبحوث عنه فی الجهة الرابعة، فراجع.

الجهة السابعة فی استحباب الرفع مستقلا عن التكبیر

قد تقدّم استحباب الرفع عند التكبیر و عدم وجوبه شرعا و لا شرطا، كما مرّ. و إنّما المهمّ هنا هو إثبات رجحان الرفع فی نفسه و إن لم یمسّ كرامة التكبیر أصلا، لكونه مندوبا مستقلّا، و إن أمكن أن یكون للاجتماع و الضمّ الحاصل منهما رجحان آخر أیضا.

و یستدلّ له بطائفة من النصوص الدالّة على الرفع قولا أو فعلا بلا تعرّض للتكبیر، نحو ما رواه عن علقمة بن وائل، عن أبیه، قال: صلّیت خلف النبیّ صلّى اللَّه علیه و آله فكبّر حین افتتح الصلاة و رفع یدیه حین أراد الركوع و بعد الركوع «2» بالنسبة إلى ما قبل الركوع و بعده. و نحو ما رواه عن الفضل بن الحسن الطبرسی عن مقاتل بن حنّان «3» بالنسبة إلى السجود أیضا. و لا شهادة فی ذیله للاختصاص بصورة التكبیر، إذ لا تنافی. و أمّا نحو ما رواه عن علیّ علیه السّلام فی قوله تعالى «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ» إنّ معناه: ارفع یدیك إلى النحر فی الصلاة «4» فلا دلالة له إلا

على الرفع فی الصلاة، لا فی خصوص الحالات الطاریة، و من المعلوم: أنّه لیس بمطلوب، بل و لا بمدّعى. و هكذا الروایة الرابعة من الباب الثانی من الركوع، و نحو الروایة الثانیة و الثالثة منه بالنسبة إلى الركوع و السجود سبقا و لحوقا.

و لا خفاء فی توقّفها على عدم الانصراف.

و یمكن الاستدلال بما تقدّم من «العلل» إذ فیه «أنّ رفع الیدین ضرب من الابتهال و التبتّل و التضرّع إلخ» «1» فیدلّ على أنّ للرفع رجحانا فی نفسه، و رجحانه النفسی أوجب أن یصاحب ذكر اللَّه (تعالى) فأحبّ (تعالى) أن یكون العبد فی وقت ذكره متضرّعا. و هذا هو المهمّ فی الباب، لاحتمال الانصراف إلى حال التكبیر من تلك الطائفة المارّة، كما أشرنا إلیه فی الجهة المتقدّمة.

فتحصّل: أنّ للتكبیر فی نفسه رجحانا، و للرفع أیضا كذلك، و لانضمامهما معا رجحانا آخر، فلذا أحبّه اللَّه (عزّ و جلّ).

و  ایضا جاء  فى كتاب الصلاه من محقق الداماد بعد نقل كلام العروه‏الوثقى من ان - ما ذكر من الكیفیة فی رفع الیدین انما هو على الأفضلیة، و الا فیكفی مطلق الرفع، بل لا یبعد جواز رفع احدى الیدین دون الأخرى - فى رد هذا  الكلام ما هذا لفظه :

 (أما الدعوى الاولى): فلانحفاظ إطلاق دلیل الرفع عن التقیید بتلك الكیفیّة، لتعدّد المطلوب الموجب لبقاء المطلق على إطلاقه.

 (و أمّا الثانیة): فلأنّ جمیع الأدلّة المحدّدة ناطقة بالتثنیة، فمعه لا یجوز الانفراد. نعم: فی روایة ابن مسكان عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام قال: فی الرجل یرفع یده كلّما أهوى إلخ «2» و لكنّها بوحدتها قاصرة عن التقدّم على جمیع تلك الروایات‏

المحدّدة بالیدین. و لا مجال للحمل على تعدّد المطلوب بعد أن كانت للتحدید.

فعلیه: لا دلیل على الاستحباب لرفع إحدى الیدین، و إن مال الیه الماتن- رحمه اللَّه- بل یشكل الارتضاء بأولى الدعویین أیضا، لمكان التحدید بالكیفیّة الخاصّة المارّة، فمعه لا مجال لانحفاظ الإطلاق، لأوله إلى المتنافیین بالإثبات و النفی لا المثبتین، كما هو واضح.

                                                    كتاب الصلاة (للمحقق الداماد)، ج‏3، ص: 448

و جاء فى كتاب مدارك العروة (للإشتهاردی) فى ذیل هذه المساله:

قال فی المختلف: أوجب السید المرتضى (ره) رفع الیدین فی كلّ تكبیرات الصلاة من الاستفتاح و غیره، و هو یشعر بوجوب التكبیر فی الركوع و السجود، و الحقّ استحباب الرفع (انتهى)، و لم أجد من حكم بالوجوب.

نعم، حكی عن الإسكافی فی خصوص تكبیرة الإحرام و لم اتثبّته.

فما أطنب به فی الحدائق من تقویة هذا القول استنادا إلى ظاهر ما ورد فی تفسیر قوله تعالى: «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ»، و الخبر المفسّر له برفع الیدین فی التكبیر، ممّا لا وجه له بعد عدم العامل بها. و صحیحة حمّاد الواردة فی تعلیم حمّاد للصلاة التامّة «1»، غیر مشتملة على رفع الید فی تكبیرة الإحرام و إن اشتملت علیه فی تكبیر الركوع و السجود، مع اشتمالها على كثیر من المستحبّات، مضافا إلى إطلاق الأدلّة من دون اشتمالها على الرفع و عدم وجوبه فیها یستلزم عدمه فی غیرها بطریق أولى.

نعم، قد ورد فی بعض الأخبار التفصیل بین الإمام و غیره.

ففی صحیحة علی بن جعفر، عن أخیه المرویّة فی التّهذیب، قال: (على الإمام أن یرفع یده فی الصلاة لیس على غیره أن یرفع یده فی الصلاة) «2»

و لا بدّ من حملها على عدم تأكّد الاستحباب فی غیره و إلّا فقد وردت أخبار كثیرة هی فی مقام البیان المشتملة على الأمر برفع الید الظاهرة فی الإطلاق و العموم.

نعم، فی بعض الأخبار: الأمر بعدم رفعها إلّا فی الواحدة دون باقی التكبیرات للتقیّة.

ففی روایة «3» إسماعیل بن جابر، عن أبی عبد اللّه علیه السّلام- فی رسالة طویلة كتبها إلى أصحابه- قال: (دعوا رفع أیدیكم فی الصلاة إلّا مرّة واحدة حین یفتتح الصلاة فإنّ النّاس قد شهروكم بذلك، و اللّه المستعان و لا حول و لا قوّة إلّا باللّه- الحدیث) «4».

و بالجملة فلا إشكال فی أصل الحكم مطلقا فی جمیع الصلوات حتّى صلاة الجنازة، كما مرّ فی محلّه، و یتأكّد فی تكبیرة الإحرام لاتّفاق المسلمین على استحبابه فیها، و اختلفوا فی غیرها.

فعن أبی حنیفة عدم الجواز، و هو أحد وجهی مالك.

و عن الشافعی فیها و فی تكبیرة الركوع و عند الرفع منه، و هو أحد وجهیه الآخر، و المنقول عن كثیر من الصحابة و فقهاء مصر و الشام على ما فی الخلاف.

فما فی المنتهى من دعوى نفی الخلاف بین أهل العلم فی فرائض الصلاة و نوافلها محمول على ما ذكرنا من نفیه فی الجملة.

و منه یظهر انّ ما ادّعاه السید المرتضى (ره) فی الانتصار من كون وجوب رفع الیدین فی كلّ تكبیرات الصلاة ممّا انفردت به الإمامیة یرید به عموم الحكم لكل تكبیرة، و مراده من الوجوب الثبوت لا الوجوب الاصطلاحی، خصوصا إذا جعل دلیل الحكم طریقة الإجماع، و إلّا فأی إجماع مع عدم موافقة أحد له إلى زمن صاحب الحدائق حتّى ممّن عاصره كالشیخین، أو من سبقه كالصدوقین رحمهما اللّه؟

و یؤیّد ما ذكرنا من إرادة المعنى اللغوی أنّه حكی عن أبی حنیفة و الشافعی و مالك أقوالا مختلفة لما اختاره، كما بیّنا فإنّ تلك الأخبار فی مقابل أصل الثبوت لا فی الوجوب الاصطلاحی، كما لا یخفی.

نعم، یقع الكلام فی مواضع:

الأوّل: فی حدّ الرفع.

الثانی: فی كیفیّته من حیث الابتداء أو الانتهاء.

الثالث: فیها من حیث ضمّ أصابع الیدین.

 الرابع: الرفع من غیر تكبیر.

امّا الأوّل: فهل هو إلى شحمة أذنیه كما فی الخلاف، أو إلى النحر كما عن ابن بابویه، أو حذو منكبیه كما عن ابن أبی عقیل، أو حیال وجهه كما عن جماعة، أو حذاء أذنیه كما فی الشرائع، أو كفایة الجمیع، أو عدم اعتبار واحد منها فی تحقّق أصل الاستحباب كما هو ظاهر المتن و من تبعه ممّن علّق علیه؟ وجوه و أقوال.

و الأخبار أیضا مختلفة:

فمنها: ما أطلق فیها الرفع كصحیحة علی بن جعفر المتقدّمة «1».

و فی صحیحة معاویة بن عمّار فی وصیة النبیّ صلّى اللّه علیه و آله لعلیّ علیه السّلام، قال: «و علیك برفع یدیك فی الصلاة و تقلیبها» «2».

و فی روایة إسماعیل بن جابر المتقدّمة عن الصّادق علیه السّلام: (دعوا رفع أیدیكم فی الصلاة إلّا مرّة واحدة حین یفتتح الصلاة) «3».

و فی صحیحة الحلبی عنه علیه السّلام، قال: (إذا افتتحت الصلاة فارفع كفّیك ثمّ ابسطها بسطا ثمّ كبّر ثلاث مرّات- الحدیث) «4».

و فی صحیحة الفضل بن شاذان عن الرّضا علیه السّلام، قال: (إنّما ترفع الیدان بالتكبیر لأنّ رفع الیدین ضرب من الابتهال و التبتّل و التضرّع- الحدیث) «5».

و فی صحیحة زرارة- الواردة فی كیفیّة الركوع- عن أبی جعفر علیه السّلام، قال: (ثمّ ترفع یدیك بالتكبیر و تخرّ ساجدا) «1».

و فی صحیحة أخرى له عنه علیه السّلام، قال: (إذا أردت أن تركع و تسجد فارفع یدیك و اركع و اسجد) «2».

و فی روایة علقمة بن وائل- المرویة فی مجالس الشیخ (ره)-، قال: صلّیت خلف النبیّ صلّى اللّه علیه و آله فكبّر حین افتتح الصلاة و رفع یدیه حین أراد الركوع و بعد الركوع «3».

و فی روایة الأصبغ بن نباتة، عن علی بن أبی طالب علیه السّلام، قال: لمّا نزلت على النبیّ صلّى اللّه علیه و آله: «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ»، قال: یا جبرئیل! ما هذه النحیرة التی أمرنی بها ربّی؟ قال: یا محمّد! انّها لیست نحیرة و لكنّها رفع الأیدی فی الصلاة «4».

و فی روایة مقاتل- المرویة عن مجمع البیان- مثله، و فیه: و لكنّه یأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع یدیك إذا كبّرت و إذا ركعت و إذا رفعت رأسك فی الركوع و إذا سجدت- إلى أن قال-: و إن زینة الصلاة رفع الأیدی عند كلّ تكبیرة) «5».

و غیرها ممّا یجده المتتبّع، و یأتی بعضها فی تكبیر الركوع.

و منها: ما دلّ على أنّ حدّه أن یرفع الیدین إلى حذاء وجهه أو حیاله، أو قبالة على اختلاف التعابیر.

مثل قوله علیه السّلام فی صحیحة عبد اللّه بن سنان، عن أبی عبد اللّه علیه السّلام فی قول اللّه عزّ و جلّ: «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ»، قال: (هو رفع یدیك حذاء وجهك)، و فی روایة عمر بن یزید عنه علیه السّلام، مثله «1».

و فی روایة جمیل المرویة عن مجمع البیان، قال: سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن قول اللّه عزّ و جل: «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ» فقال بیده: هكذا، یعنی استقبل بیدیه حذو وجهه القبلة فی افتتاح الصلاة «2».

و فی صحیحة حمّاد بن عیسى- الواردة فی تعلیم الصادق علیه السّلام له- (فلمّا استمكن من القیام قال: سمع اللّه لمن حمده، ثمّ كبّر و هو قائم، و رفع یدیه حیال وجهه) «3».

و فی صحیحة منصور بن حازم، قال: رأیت أبا عبد اللّه علیه السّلام افتتح الصلاة فرفع یدیه حیال وجهه و استقبل القبلة ببطن كفّیة «4».

و فی صحیحة زرارة عن أبی جعفر علیه السّلام، قال: (إذا قمت فی الصلاة فكبّرت فارفع یدیك و لا تجاوز بكفّیك أذنیك أی حیال خدّیك) «1».

و فی صحیحته الأخرى عن أحدهما علیهما السّلام، قال: (ترفع یدیك فی افتتاح الصلاة قبالة وجهك و لا ترفعهما كلّ ذلك) «2».

و منها: ما دلّ على أنّه إلى النحر.

مثل ما عن علیّ علیه السّلام كما عن المجمع فی قوله تعالى: «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ» معناه: ارفع یدیك إلى النحر فی الصلاة «3».

و فی صحیحة معاویة بن عمّار، قال: رأیت أبا عبد اللّه علیه السّلام حین افتتح الصلاة یرفع یدیه أسفل من وجهه قلیلا «4».

و منها: ما دلّ على أنّه إلى الأذنین.

مثل قوله علیه السّلام فی روایة أبی بصیر: (إذا افتتحت الصلاة فكبّرت فلا تجاوز أذنیك) «5».

بناء على إرادة عدم التجاوز عن أوّلهما و هو شحمتیهما لا آخرهما.

و أوضح منها صحیحة صفوان بن مهران الجمال، قال: رأیت أبا عبد اللّه علیه السّلام إذا كبّر فی الصلاة یرفع یدیه حتّى یكاد یبلغ أذنیه «6»، فإنّها ظاهرة، بل صریحة فی الأوّل.

و لعلّ المحقّق نظر إلیهما حیث حدّه فی الشرائع إلى شحمتی أذنیه، فإنّ هذه اللفظة و إن لم یرد فی خبر إلّا أنّه من المعلوم إرادة المصداق الذی دلّ علیه الصحیحان.

و منها: ما نهى عن رفعهما إلى فوق الرأس.

مثل ما رواه فی المعتبر و المنتهى مرسلا عن علی علیه السّلام انّ النبیّ صلّى اللّه علیه و آله مرّ برجل یصلّی و قد رفع یدیه فوق رأسه، فقال: «ما لی أرى قوما یرفعون أیدیهم فوق رؤسهم كأنّها آذان خیل شمس» «1».

و الظاهر عدم المعارضة بین الأولیین فإنّ الثانیة متعرّضة لكیفیّة الرفع عرضا لا طولا بمعنى انّ رفع الید یتصوّر على أنحاء:

منها: أن یكون قبالة الوجه.

و منها: أن یكون قبالة الأذن.

و منها: كونه قبالة الجبین، فبیّن فیها كونه على النحو الأوّل.

و امّا الثالثة «2» فلم تصل إلى حدّ الحجّیّة فإنها مضافا إلى إرسال الأولى و معارضة الثانیة لصحیحة صفوان المتقدّمة معارضة فی خصوص التفسیر الوارد فی قوله تعالى: «وَ انْحَرْ» بالنسبة إلى خصوص رفع الیدین، فلیست المعارضة مختصّة بما ورد فی تفسیر النحر بالاعتدال فی القیام، كما یظهر من الحدائق كی یجاب بعدم المنافاة بین تفسیرها بالأمرین و ذلك لأنّ التفسیر فی موضوع واحد بحكمین مختلفین قادح لا محالة، فروایات تفسیر النحر على ثلاثة: بین مطلق، و محدّد إلى النحر، و إلى حذو الوجه.

و على تقدیر إمكان حمل المعنى الأوّل على أحد الأخیرین یبقى التعارض بینهما، إلّا أن یقال: بعدم المعارضة لاختلاف الحیثیّات، فإنّ المحدّد الأوّل من حیث العرض و الثانی من حیث الطول.

فتبقى الطائفة الرابعة «1»، أمّا روایة أبی بصیر فهی مهملة من حیث الإثبات.

نعم، من حیث النفی نهى عن التجاوز عن الأذنین، و الثانیة فعله علیه السّلام، و من الممكن حمله على الجواز أو شدّة الاستحباب، و لا دلالة فیه على كونه أوّل مصداق الرفع، كما انّ الطائفة الأخیرة «2» أیضا فی مقام النهی عن كثرة رفع الید.

و على تقدیر التعارض بین هذه الأقسام یحكم بمضمون الجمیع على اختلاف مراتب الاستحباب، فكما أنّ أصل الرفع مستحب فكذا مراتبه.

نعم، أعلى مراتب الاستحباب رفعهما إلى أذنیه، كما بیّناه، فلا یحمل المطلق على آخر المراتب فإنّ الاختلاف إنّما هو فی التحدید و لیس من قبیل المطلق و المقیّد، بل التعارض متحقّق، كما لا یخفى.

و هذا نظیر تحدید الكر بوزنین مختلفین أو مساحتین كذلك، بل فی الحقیقة هذا تحدید المساحة من حیث رفع الید من الأسفل إلى الأعلى فیجمع بینهما بكفایة كلّ مرتبة من مراتب الرفع، و اللّه العالم.

و امّا الموضع الثانی- أعنی كیفیّته من حیث الابتداء و الانتهاء- فلم أجده فی الأخبار، و إطلاق الأخبار یقتضی كفایة مطلق الرفع.

نعم، فی صحیحة معاویة بن عمّار عن أبی عبد اللّه علیه السّلام فی وصیّة النبیّ صلّى اللّه علیه و آله لعلیّ علیه السّلام: «و علیك برفع یدیك فی الصلاة و تقلیبهما» «1».

فیستفاد منه كون باطن الیدین إلى القبلة، فإنّ ظاهر التقلیب جعل باطنهما على خلاف طرفه و أوضح منها صحیحة منصور بن حازم، قال: رأیت أبا عبد اللّه علیه السّلام افتتح الصلاة فرفع یدیه حیال وجهه و استقبل القبلة ببطن كفّیه «2».

نعم، لا بدّ أن یصدق أن یرفع یدیه حین التكبیر لا قبلها و لا بعدها، و لعلّه ینطبق على ما ذكره غیر واحد من أنّه یبتدئ بابتدائها و ینتهی بانتهائها.

 (2) و امّا الموضع الثالث- أعنی ضمّ الأصابع .. إلخ، فلم أعثر على خبر إلى الآن، بل یمكن أن یستفاد من قوله علیه السّلام فی صحیحة الحلبی: (فارفع كفیك ثم ابسطهما بسطا ثمّ كبّر .. إلخ) «1» استحباب عدم ضمّ بعض الأصابع إلى بعض، فتأمّل.

نعم، قد ورد هذا التعبیر فی صحیحة حمّاد الواردة فی تعلیم الصادق علیه السّلام له، قال حمّاد فی آخرها: فصلّى ركعتین على هذا و یداه مضمومتا الأصابع و هو جالس فی التشهّد «2».

بناء على كون القید بیانا لجمیع أحوال الصلاة، فتأمّل.

و یمكن أیضا التمسّك بما فی أوّلها من قوله: فقام أبو عبد اللّه علیه السّلام مستقبل القبلة منتصبا فأرسل یدیه جمیعا على فخذیه قد ضمّ أصابعه و قرّب بین قدمیه (إلى أن قال) و قال علیه السّلام بخشوع: اللّه أكبر- الحدیث «3».

بناء على أنّ قوله كون تكبیره علیه السّلام مع رفع الیدین أیضا بقرینة ما بیّنه فی تكبیر الركوع و غیره، فتأمّل.