تبلیغات
معرفی اسلام ناب، بدون حاشیه و به دور از تعصب - ادله حکم فقهی رفع الیدین حین التكبیر 1

حكم رفع الیدین حین التكبیر:

جاء فی عروه الوثقی :

14 مسألة یستحب رفع الیدین بالتكبیر إلى الأذنین أو إلى حیال الوجه أو إلى النحر مبتدئا بابتدائه و منتهیا بانتهائه فإذا انتهى التكبیر و الرفع أرسلهما و لا فرق بین الواجب منه و المستحب فی ذلك و الأولى أن لا یتجاوز بهما الأذنین نعم ینبغی ضم أصابعهما حتى الإبهام و الخنصر و الاستقبال بباطنهما القبلة و یجوز التكبیر من غیر رفع الیدین بل لا یبعد جواز العكس‏

15 مسألة ما ذكر من الكیفیة فی رفع الیدین إنما هو على الأفضلیة و إلا فیكفی مطلق الرفع بل لا یبعد جواز رفع إحدى الیدین دون الأخرى‏

                                    العروة الوثقى (للسید الیزدی)، ج‏1، ص: 631

توضیح هذه المساله فى كتاب الصلاه من محقق الداماد :

الجهة الاولى فی استحباب رفع الیدین‏

فی الجواهر «إنّه المشهور، بل عن الأمالی: أنّ من دین الإمامیّة الإقرار به، خلافا للمرتضى- قدّس سرّه- فأوجبه فی محكیّ انتصاره فیها- أی فی تكبیرة الإحرام- و فی كلّ التكبیرات الصلاتیّة، مدّعیا علیه الإجماع ..

و وافقه «الكاتب» فی محكیّ كلامه فی خصوص تكبیرة الإحرام، و بعض متأخّری المتأخّرین، كالاصبهانی فی كشفه، و الكاشانی فی مفاتیحه، و البحرانی فی حدائقه» انتهى.

إنّ الوجوب النفسی للكیفیّة- أی الرفع- مع عدم وجوب المتكیّف (و هو باقی التكبیرات) غیر مأنوس، كما فی الحدائق. اللَّهم إلّا أن یقال: بوجوبها أیضا، فالمراد إمّا تأكّد الطلب و شدّة الاستحباب- كما یعبّر به عنها- و إمّا الوجوب الشرطی الملائم لاستحباب أصل المتكیّف.

و «الانتصار» هو ما ألّفه- رحمه اللَّه- تأییدا لما قالته الإمامیّة المحقّة دون غیرهم من الفرق، فلذلك سمّی انتصارا، و المراد ممّا انفردت به الإمامیّة فی ذاك الكتاب هو ما یكون موجودا فیهم دون غیرهم، لا أنّهم بأسرهم ذهبوا إلیه و اختاروا.

و بالجملة: قد استدلّ للوجوب بطوائف من النصوص الدائر أمرها بین ضعف السند و وهن الدلالة، مع اجتماعهما معا فی بعضها.

فمنها: طائفة حاكیة لأفعال المعصومین علیهم السّلام نحو الروایة 6 و 3 و 2 و 1 من الباب 9 من التكبیر، و نأتی بها فی الجهة الباحثة عن التحدید. و لا خفاء فی قصورها عن إفادة الوجوب، إذ لیس للفعل نطاق فی أزید من الرجحان أو أصل الجواز فی الجملة، مع أنّها لبیان الحدّ، لا الحكم.

و منها: طائفة آمرة بذلك مع احتفافها بما یصلح لصرف الظهور فی الوجوب، أو لمنع انعقاده رأسا، نحو ما رواه عن الحلبی، عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام قال: إذا افتتحت الصلاة فارفع كفّیك ثمّ أبسطهما إلخ «1» حیث أمر فیها بالرفع، و ظاهره الوجوب.

و هو مع كونه أخصّ من مدّعى المرتضى- رحمه اللَّه- الّذی قال فی الحدائق:

 «إنّه بمحلّ من القوّة، و الاحتیاط یقتضی المحافظة علیه» لاختصاصه فی افتتاح الصلاة دون باقی التكبیرات، مشتمل على الأمر بالبسط و التكبیرات الستّ المندوبة و الأدعیة المتخلّلة بینها و التعوّذ من الشیطان، مع استحبابها بأسرها، فوحدة السیاق تقضی الحكم بعدم وجوب الرفع أیضا إلّا على المسلك المختار: من أنّ الأمر بعث نحو الفعل فیلزم الانبعاث ما لم یقم الشاهد على العدم.

نعم: قیام الشواهد الخارجیّة على استحباب تلك الفقرات یوجب وهن ظهور هذه الفقرة فی الوجوب، فلا تقاوم ما لو دلّ على العدم.

و نحو ما رواه عن معاویة بن عمّار، عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام فی وصیّة النبیّ صلّى اللَّه علیه و آله لعلیّ علیه السّلام قال: و علیك برفع یدیك فی صلاتك و تقلیبهما «1» حیث أمر فیها بالرفع الظاهر منه الوجوب، بعد إلقاء الخصوصیّة و اشتراكه علیه السّلام و غیره فیه.

و هو مع كونه أعمّ من المدّعى- للإطلاق الشامل للتكبیر و غیره: من القنوت و نحوه، الموجب للحمل على الندب، لعدم القول بالوجوب- حاو لغیر واحد من الآداب و السنن، إلّا أن یتطرّق ما سلكناه. و المهمّ هو الإطلاق المتحاشی عنه، و لا مجال لتبعیض النطاق عند فقد الشاهد. و لعلّ المراد من «التقلیب» هو استقبال الباطن نحو القبلة أو غیره من وجوه القلب، و سیوافیك ما یوجب الحمل على الندب.

و منها: طائفة مفسّرة للكریمة أو ناظرة إلیها، نحو ما رواه عن ابن سنان، عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام فی قول اللَّه عزّ و جلّ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ» قال: هو رفع یدیك حذاء وجهك «2» و كذا ما رواه عن عمر بن یزید، قال: سمعت أبا عبد اللَّه علیه السّلام فی قوله تعالى إلخ «3».

و المستفاد من الهیئة هو الوجوب، و من المادّة بقرینة الروایة هو رفع الید.

و التمسّك بالقرآن متوقّف على حجّیّة ظواهره- كما هو الحقّ- و أمّا عند من یتوهّم المنع، فلا. و لا خفاء فی امتزاج هذه الطائفة من الكتاب و السنّة، لعدم محوضة كلّ واحد منهما فی تمامیّة الاستدلال.

و السند تامّ. و لكنّ المتن أعمّ من الدعوى، لشموله جمیع حالات التوجّه و الدعاء، سواء كان فی الصلاة أو غیرها. و على الأوّل: سواء كان فی التكبیر أو غیره- من القنوت- و لا عامل بالإطلاق الكذائی. و لا یمكن الأخذ بالمتیقّن، لأنّه مطلق لا مجمل، فلا بدّ من الحمل على ضرب من الرجحان العامّ.

و نحو ما رواه عن علیّ علیه السّلام فی قوله تعالى «وَ انْحَرْ» إنّ معناه ارفع یدیك إلى النحر فی الصلاة «1».

و لا خفاء فی أنّه- بعد الإرسال- أعمّ من المدّعى، لشموله لما عدا التكبیر:

من القنوت و نحوه.

و نحو ما رواه عن جمیل، قال: سألت أبا عبد اللَّه علیه السّلام عن قوله عزّ و جلّ «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ» فقال: بیده هكذا، یعنی استقبل بیدیه حذو وجهه القبلة فی افتتاح الصلاة «2».

و هو مع كونه أخصّ من المدّعى- لاختصاصه بالافتتاح دون التكبیرات الأخر الّتی اختار السیّد الرفع فیها أیضا، و قوّاه فی الحدائق كما مرّ- مشتمل على كونه قبال الوجه و تجاه القبلة معا. فهاهنا أمور ثلاثة: من الرفع و حذو الوجه و الاستقبال، فلعلّه ناظر إلى الكیفیّة لا أصل الرفع، فیكون إشارة إلى ما هو المعهود منه على ما له من الحكم، كما فی الباب 10 من أبواب التكبیر.

و نحو ما رواه عن الأصبغ بن نباته، عن علیّ بن أبی طالب علیه السّلام قال: لما نزلت على النّبی صلّى اللَّه علیه و آله «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ» قال: یا جبرئیل! ما هذه النحیرة الّتی أمر بها ربّی؟ قال: یا محمّد! إنّها لیست نحیرة و لكنّها رفع الأیدی فی الصلاة «3».

و هو مع وهن السند المشتمل على المجهول أعمّ من المدّعى متنا، لأنّ الصلاة باعتبار حالاتها المتوقّع فیها الرفع لا تختصّ بالتكبیرات، بل تعمّ القنوت أیضا. نعم: فی ما رواه عن «مجمع البیان» عن مقاتل بن حنان، قال: لیست بنحیرة و لكنّه یأمرك إذا تحرّمت للصلاة أن ترفع یدیك إذا كبّرت و إذا ركعت و إذا رفعت رأسك من الركوع و إذا سجدت إلخ «4».

و لكن فی ذیلها «فإنّه صلاتنا و صلاة الملائكة فی السماوات السبع، و إنّ لكلّ شی‏ء زینة و إنّ زینة الصلاة رفع الأیدی عند كلّ تكبیرة» حیث إنّ النطاق قاصر عن إفادة الوجوب، إذ الواجب ما هو المقوّم للعمل، لا ما هو زینة له بعد تمامیّة أصله. كما هو مقتضى التزیّن. و یشهد له ما رواه من «العلل» عن الرضا علیه السّلام إنّما ترفع الیدان بالتكبیر، لأنّ رفع الیدین ضرب من الابتهال و التبتّل و التضرّع، فأحبّ اللَّه تعالى أن یكون العبد فی وقت ذكره له متبتّلا إلخ «1» حیث اشتمل على عدّة شواهد على الندب.

و هاهنا طائفة أخرى تنافی ما مرّ، نحو ما رواه عن حریز، عن رجل، عن أبی جعفر علیه السّلام قال: قلت له: فصلّ لربّك و انحر»؟ قال: النحر الاعتدال فی القیام أن یقیم صلبه و نحره إلخ «2».

فحینئذ یكون المراد هو تعدیل النحر و عدم اعوجاجه أو انحنائه، فأین هو من رفع الیدین إلیه؟ و قد جعل فی «الحدائق» إمكان تفسیر الآیة بالأمرین، لأنّ القرآن «ذلول ذو وجوه» جمعا بین الأخبار و دفعا للمنافاة.

و لكن لا بدّ من الانطباق على القواعد المقرّرة، نحو جواز استعمال اللفظ فی أكثر من معین سواء كانا حقیقیّین أو مجازیّین أو مختلفین، و نحو الوقوع و الظهور فیهما بعد الفراغ عن أصل الجواز، اللَّهمّ إلّا أن یجعل ما ورد من النصوص المفسّرة قرینة على إرادة ذلك من لفظة «انحر» أی من مادّته. و لو فرض الاستعمال فی الجامع لما أفاد حكم الخاصّ بخصوصیّته، و لیس أحد المعنیین تأویلا بالباطن و الآخر تفسیرا بالظاهر، حتى یقال: بأنّه فی القرآن غیر عزیز.

نعم: یمكن النقاش السندی بالإرسال، إلّا أنّ یدفع بوقوع «حمّاد» و «حریز» فیه و هو من أصحاب الإجماع، و قد قیل: بأنّ للحریز كتابا فی الصلاة معدودا من الأصول الهامّة.

و نحو ما رواه عن علیّ بن جعفر، عن أخیه موسى بن جعفر علیه السّلام قال: قال:

على الامام أن یرفع یده فی الصلاة، لیس على غیره أن یرفع یده فی الصلاة «1».

لظهور هذه الصحیحة فی نفی الوجوب عن غیر الامام إمّا مطلقا أو عن خصوص المأموم، بقرینة التقابل، فیخرج المنفرد، و بالإجماع على عدم الفصل یحكم بأنّ الثابت على الإمام إنّما هو خصوص الندب لا الوجوب، لأنّ الحكم بالوجوب علیه و بالندب على غیره خرق للاتّفاق، بل الرجحان ثابت علیهما، و إن كان على الإمام بالشدّة و التأكّد، كما قیل.

و لا یمكن التمسّك بها للوجوب المطلق بانضمام عدم الفصل، بأن یقال:

یجب على غیر الإمام أیضا صونا عن خرق الاتّفاق، لأنّ الروایة ناصّة فی عدم الوجوب بالنسبة إلى غیره، لأنّ قوله علیه السّلام: «.. لیس على غیر الامام» نصّ فی عدمه، فمعه لا یمكن ذلك و إن انضمّ إلیه ما انضمّ. و لا خفاء فی أنّ النسبة هی العموم من وجه، لأنّ الدالّ على لزوم الرفع خاصّ بالتكبیر و عامّ للإمام و غیره، و الدالّ على عدم لزومه خاصّ بغیر الامام و عامّ للتكبیر و غیره. هذا بالقیاس إلى بعض تلك الأدلّة الآمرة بالرفع و إن كان بعضها الآخر أیضا عامّا للتكبیر و غیره، كما مرّ.

و الحاصل: أنّ فی هذه الصحیحة بعض ما یشهد على عدم اللزوم، كما قرّر.

و ممّا یشهد له أیضا هو ما رواه عن زرارة، قال: قال أبو عبد اللَّه علیه السّلام: رفعك یدیك فی الصلاة زینتها «2».

لما أشیر إلیه: من أنّ الزینة هی فرع القوام و خارج عنه، فلا یكون واجبا.

نعم: لا خصوصیّة للتكبیر، بل یعمّ غیره أیضا. فتبیّن قصور الأدلّة عن إفادة وجوب الرفع و إن كان راجحا.

الجهة الثانیة فی حد الرفع

إنّ خیرة الماتن- رحمه اللَّه- هو التخییر بین الحدود الثلاثة، و لا خفاء فی أنّ الحدّ ممّا لا یتطرّقه الاختلاف و لا التسامح، بل لا بدّ من التعیین و الضبط.

نعم. یمكن نصب أزید من أمارة لتحفّظه، كما فی خفاء الأذان و الجدران فی تبیین حدّ الترخّص، و كما فی الطرق المتعدّدة لإحراز الكرّیّة.

و الحاصل: أنّ الحدّ الواقعی واحد بلا كثرة و مضبوط بلا مسامحة، و إنّما التكثّر و التسامح أحیانا فی الأمارات و الطرق الهادیة إلیه، اللَّهمّ إلّا فیما یكون الحدّ الآخر واقعا فی عرضه مبائنا له فی الامتداد و السلك، إذ لا ضیر فی تعدّد مثله.

و ظاهر «الشرائع» هو الرفع إلى الأذنین بدون لفظة «الحذاء» و صریح «المبسوط» إلى شحمتی الأذنین عند القدرة، و أمّا مع فقدها لعلّة فرفعهما ما استطاع.

و المهمّ هو التأمّل فی إمكان رجوع بعض هذه الحدود إلى الآخر لیتّحد المآل- بأن یكون الحدّ الواقعی واحدا- و كذا التأمّل فی نطاق نصوص الباب لیتّضح مقدار دلالتها على التحدید تعیینا أو تخییرا.

و لیتنبّه بأنّ للید امتدادا و كذا للأذن و الوجه، فلا بدّ من الالتفات إلى أنّ المراد هو بلوغ أوّل الید أو وسطه أو آخره، و هكذا بلحاظ أوّل الوجه أو آخره، و كذا فی الاذن مراعیا فی ذلك دخول الغایة فی المغیّى و عدمه. فیلزم تعیین الغایة أوّلا، و دخولها أو عدم دخولها فی المغیّى ثانیا، و لعلّ التنبّه بها یوجب الجمع بین النصوص و التألیف بین الأقوال.

 (و النصوص كما تلی على طوائف):

منها: ما ورد فی الاذن قولا أو فعلا، نحو ما رواه عن صفوان، قال: رأیت أبا عبد اللَّه علیه السّلام إذا كبّر فی الصلاة یرفع یدیه حتّى یكاد یبلغ أذنیه «1».

ظاهره عدم البلوغ مع اقترابه منه، و لا ظهور بالقیاس إلى الید فی أنّ المراد هو رءوس الأصابع أو نفسها- أی تلك الأصابع- أو الكفّ أو نحو ذلك من الأجزاء، فلعلّه بلحاظ الأنامل أنسب و أسبق إلى الذهن. و لكنّه قاصر عن إفادة الحدّ المعتبر، إذ لا لسان للفعل حتّى ینطق بالتعیین أو التخییر. نعم: یثبت أصل الجواز و الاجتزاء، بل مع الرجحان إن دلّ على الاستمرار و التحفّظ، لاحتمال كونه أفضل تلك الحدود.

و نحو ما رواه عن أبی بصیر، قال: قال أبو عبد اللَّه علیه السّلام (فی حدیث) إذا افتتحت الصلاة فكبّرت فلا تجاوز أذنیك، و لا ترفع یدیك بالدعاء فی المكتوبة تجاوز بها رأسك «2».

أنّ التجاوز عن الإذن عبارة عن تعدّیه بأسره دون جزء منه، فلو بلغ الشحمة أو النصف لما صدق علیه التجاوز، فعلیه: یندرج غیر واحدة من المراتب حسب امتداد الاذن طولا، لأنّ أوائله محاذیة للخدّ و أواسطه محاذیة للعین و أواخره للحاجب على الغالب المعهود. اللَّهم إلّا أن یقیّد ببعض تلك المراتب، نحو ما رواه عن زرارة عن أبی جعفر علیه السّلام: إذا قمت فی الصلاة فكبّرت فارفع یدیك، و لا تجاوز بكفّیك أذنیك، أی حیال خدّیك «3».

بأن یكون حیال الخدّین تفسیرا لعدم التجاوز عن الأذنین، لا للأذنین، فالمراد حینئذ هو تحدید الرفع بحیال الخدّ الّذی یحاذی شحمتی الاذن غالبا فی مستوی الخلقة، أو ما یقرب منه: من الوسط.

فبهذا یمكن الجمع بین روایات هذه الطائفة كفتاوى الأصحاب- رحمهم اللَّه- أیضا، حیث عبّر فی بعضها بالاذن و فی بعضها بالشحمة.

و منها: ما ورد فی الوجه، نحو ما رواه عن معاویة بن عمّار، قال: رأیت أبا عبد اللَّه علیه السّلام حین افتتح الصلاة یرفع یدیه أسفل من وجهه قلیلا «1».

قد تقدّم قصور الفعل عن التحدید، إذ أقصاه الجواز أو الرجحان إن دلّ على الاستمرار، و لا ظهور فی تحدید الید بلحاظ الأنامل و الأصابع و الكفّ و نحوها، فلو كان الزند مثلا أسفل من الوجه قلیلا لصارت الأصابع حیال الخدّین و شحمتی الأذنین، فلا تنافی حینئذ أصلا.

و نحو ما رواه عن عبد اللَّه بن سنان، قال: رأیت أبا عبد اللَّه علیه السّلام یصلّی، یرفع یدیه حیال وجهه حین استفتح «2» و كذا ما رواه عن منصور بن حازم، قال: رأیت أبا عبد اللَّه علیه السّلام افتتح الصلاة إلخ «3».

و الكلام فیها من حیث الالتئام هو ما أشیر إلیه.

و نحو ما رواه عن ابن سنان، عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام فی قول اللَّه عزّ و جلّ:

 «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ» قال: هو رفع یدیك حذاء وجهك «4». و كذا ما رواه عن جمیل، قال: سألت أبا عبد اللَّه عن قوله عزّ و جلّ «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ» فقال إلخ «5».

و لا ریب فی أنّ التناسب یقتضی بدخالة للنحر الّذی یكون مادّة للأمر، و هو بأن یجعل بعض الید محاذیا له حتّى یصیر البعض الآخر- كالأصابع- محاذیا للوجه، حسب ما قرّرناه.

و نحو ما رواه عن زرارة، عن أحدهما علیهما السّلام قال: ترفع یدیك فی افتتاح الصلاة قبالة وجهك و لا ترفعهما كلّ ذلك «6».

و النهى منحدر نحو التجاوز، لأنّ الرفع المستوعب موجب للجواز عن الاذن.

فتبیّن إمكان إرجاع هذه الطائفة إلى تلك الطائفة بعد رجوع بعض من آحادها إلى الآخر، لأنّ جعل جزء من الید أسفل من الوجه قلیلا مستلزم لصیرورة بعض أجزائها الآخر محاذیا للوجه و مطابقا للخدّ منه، على ما تقدّم.

و منها: ما ورد فی النحر، نحو ما رواه عن علیّ علیه السّلام فی قوله تعالى «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ» أنّ معناه ارفع یدیك إلى النحر فی الصلاة «1».

و نحو ما رواه «الفقیه» فی الباب 17 من الصلاة، الحدیث 2.

و الاعتداد بهذا المرسل و الالتئام بینه و بین الطائفتین، هو ما أشیر إلیه:

من أنّ بلوغ جزء من الید حذاء النحر موجب لصیرورة جزء منه أسفل من الوجه بقلیل و جزء منه محاذیا للخدّ المعدود من الوجه أیضا، حسب نطاق تینك الطائفتین.

فتحصّل: أنّ الحدّ واحد و أنّ الحكم تعیینیّ، لا أنّ هناك حدودا من الأذن و الوجه و النحر و أنّ الحكم تخییریّ.

ثمّ إنّه لو لم یمكن إرجاع بعضها إلى بعض لما أمكن الحكم بمطلوبیّتها جمیعا من باب تعدّد المطلوب، لأنّا و إن قلنا بأنّ القاعدة الأوّلیّة فی المثبتین تقتضی ذلك فی الواجب فضلا عن المندوب، إلّا أنّه فی غیر مقام التحدید الناطق بلسانه عدم مطلوبیّة الحدّ الآخر، لأنّ أوله فی الحقیقة إلى المختلفین بالإیجاب و السلب لا المتّفقین فی ذلك.

و لعلّ سرّ اقتصار «المحقّق»- فی الشرائع- على الاذن، أو اقتصار «الشیخ» على الشحمة، هو ما أشیر إلیه، فتبصّر!

الجهة الثالثة فی قران التكبیر و الرفع‏

قد اشتهر لدى الأصحاب- رحمهم اللَّه- قران التكبیر و الرفع بدء و ختما- كما فی المتن- فیكون الإرسال بعد تمامیّتهما.

و هاهنا قولان آخران: أحدهما- أنّه یبتدئ بالتكبیر حال الإرسال.

و الآخر- أنّه یبتدئ به عند انتهاء الرفع، فیكبّر عند تمامه، ثمّ یرسل إلیه.

و هذا هو خیرة «صاحب الحدائق».

إنّ اختلاف النصوص قد أورث تشتّت الآراء، لأنّ بعضها ظاهر فی صحابة التكبیر و الرفع، و هی لا تتمّ إلّا باقترانهما بدء و ختما، كما فی ما رواه عن «العلل» و «العیون» عن الفضل بن شاذان، إذ فیها «.. إنّما ترفع الیدان بالتكبیر إلخ» «1» حیث إنّ الباء للمصاحبة.

و فیه: أنّ الصحابة العرفیّة تحصل بمجرّد القران العرفی سواء كان بنحو الانطباق حدوثا و بقاء أم لا.

أضف إلیه: صلوح العلّة المذكورة فیها للرفع- من الابتهال و غیره و من إحضار النیّة و نحوه- فی مجرّد المقارنة العرفیّة أیضا، إذ لا دخالة لخصوصیّة الصحابة المشهورة بین الأصحاب فی الإحضار و نحوه، مع ما عن بعض النسخ ضبطه ب «فی».

و بعضها ظاهر فی تقدّم الرفع على التكبیر، نحو ما رواه عن زرارة عن أبی جعفر علیه السّلام- المتقدّم فی الجهة الثانیة- إذ فیها «.. فكبّرت فارفع یدیك إلخ» «2» حیث إنّ «الفاء» یدلّ على الترتیب. اللَّهمّ إلّا أن یفسّر بإرادة التكبیر لا فعله، بأن یقع الرفع عند إرادته ثمّ یقع التكبیر معه أو بعده.

و بعضها بالعكس، نحو قوله: «ثمّ رفع یدیه حیال وجهه و قال: اللَّه أكبر إلخ» «3» لأنّ المنساق هو تقدّم الرفع على التكبیر و إن عطف بالواو.

و نحو قوله علیه السّلام فی صحیحة الحلبی: إذا افتتحت الصلاة فارفع كفّیك ثم‏ابسطهما بسطا ثمّ كبّر ثلاث تكبیرات «1».

بناء على أنّ المراد هو إرادة الافتتاح لا فعله، و إلّا لزم بلوغ التكبیرات زهاء الثمانیة- كما مرّ- فیدلّ على تقدّم الرفع و البسط علیه، و لیس المراد منه- أی من البسط- الإرسال، لفقد الشاهد. و لا دلالة فیها بالنسبة إلیه أیضا لسكوتها عنه، إذ لا تعرّض له فی الأدعیة الطویلة، و لا فی التكبیرات الأخر.

و بعضها ظاهر فی كونه حال الإرسال، بناء على توهّم كون البسط فی الصحیحة بمعنى الإرسال. مع أنّه- على التسلیم- غیر منطبق علیه، لظهورها فی كونه بعده لا حینه.

الجهة الرابعة فی استواء التكبیر الواجب و المندوب فی استحباب الرفع فیه إنّ للصلاة تكبیرات عدیدة، تبلغ زهاء خمس و تسعین، بل أزید عند لحاظ التكبیرات الستّ المضافة إلى تكبیرة الإحرام- حسب ما مرّ مبسوطا- بعضها واجب، و بعضها مندوب. و المستفاد من الروایات الواردة فی موارد شتّى عموما و خصوصا هو استحباب الرفع عند كلّ تكبیرة.

فمنها: صحیحة الحلبی- المارّة- «2» لا طلاقها الشامل للصلاة المندوبة الّتی تفتتح فیها بالسبع أیضا. نعم: لا دلالة لها على أزید من الرفع فی التكبیرات الافتتاحیّة، و الحاصل: أنّه لا تدلّ على استحبابه فی مطلق التكبیر.

و منها: ما رواه عن زرارة، عن أبی جعفر علیه السّلام قال .. ثمّ ترفع یدیك بالتكبیر و تخرّ ساجدا «3».

و نطاقها خاصّ بالرفع بالتكبیر بعد رفع الرأس من الركوع، و قاصر عن الزائد عنه.

و منها: ما رواه عن زرارة، عن أبی جعفر علیه السّلام قال: إذا أردت أن تركع و تسجد فارفع یدیك و كبّر ثمّ اركع و اسجد «1».

و ظاهرها خاصّ بما قبل الركوع و السجود، فلا یشمل ما بعدهما، فضلا عن التكبیرات الأخر، كالافتتاحیّة.

و منها: ما رواه عن ابن عمّار، قال: رأیت أبا عبد اللَّه علیه السّلام یرفع یدیه إذا ركع و إذا رفع رأسه من الركوع و إذا سجد و إذا رفع رأسه من السجود و إذا أراد أن یسجد الثانیة «2» و قریب منها فی الجملة ما رواه عن ابن مسكان عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام «3».