تبلیغات
معرفی اسلام ناب، بدون حاشیه و به دور از تعصب - ادله احکام فقهی1 (به زبان عربی)

یستحب فی جمیعها القنوت (1) حتى الشفع على الأقوى فی الركعة الثانیة

 (1) و هو المعروف المشهور بین الأصحاب، و خالفهم شیخنا البهائی «1» و صاحب المدارك «2» و الذخیرة «3» فمنعوا عن استحبابه فی الشفع استناداً إلى صحیحة عبد اللَّه بن سنان عن أبی عبد اللَّه (علیه السلام) «قال: القنوت فی المغرب فی الركعة الثانیة، و فی العشاء و الغداة مثل ذلك، و فی الوتر فی الركعة الثالثة» «4».

حیث إنها ظاهرة فی حصر التشریع فی مواضع لم یكن الشفع منها، و بها تقیّد المطلقات الدالة على استحباب القنوت فی الركعة الثانیة من كل صلاة.

و الصحیح ما علیه المشهور، فان النصوص الواردة فی القنوت مختلفة، ففی بعضها أنه فی العشاءین و الفجر و الوتر كالصحیحة المزبورة، و فی بعضها زیادة الجمعة «5»، و فی بعضها أنه فی الصلوات الجهریة «6»، و فی بعضها غیر ذلك، إلا أن موثقة أبی بصیر صریحة فی ثبوت الاستحباب فی تمام الفرائض الخمس، قال: «سألت أبا عبد اللَّه (علیه السلام) عن القنوت، فقال: فیما یجهر فیه بالقراءة، قال فقلت له: إنی سألت أباك عن ذلك، فقال: فی الخمس كلها، فقال رحم اللَّه أبی إن أصحاب أبی أتوه فسألوه فأخبرهم بالحق، ثم أتونی شكاكاً فأفتیتهم بالتقیة» «7» و هی خیر شاهد على أن التخصیص ببعض الصلوات فی سائر الروایات التی منها صحیحة ابن سنان المزبورة محمول على التقیة، حیث إن العامة لا یرون مشروعیته إلا فی بعضها.

أضف إلى ذلك: ورود روایات نطقت بثبوت القنوت فی كافة الصلوات:

ففی صحیحة زرارة عن أبی جعفر (علیه السلام) أنه «قال: القنوت فی كل الصلوات» «1».

و فی صحیح ابن الحجاج عن أبی عبد اللَّه (علیه السلام) قال: «سألته عن القنوت، فقال: فی كل صلاة فریضة و نافلة» «2».

و فیما رواه الصدوق بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبی جعفر (علیه السلام) أنه «قال: القنوت فی كل ركعتین فی التطوع و الفریضة» «3».

و ما رواه فی الخصال بإسناده عن الأعمش عن جعفر بن محمد (علیه السلام) فی حدیث شرائع الدین، «قال: و القنوت فی جمیع الصلوات سنّة واجبة فی الركعة الثانیة قبل الركوع و بعد القراءة» «4» و نحوها غیرها.

و مقتضى الجمع بینها و بین ما تقدم إما الحمل على اختلاف مراتب الفضل أو على التقیة حسبما عرفت.

ثم إن استفادة الحصر المزبور من صحیحة ابن سنان موقوفة على أن یكون قوله (علیه السلام) «فی المغرب» و كذا ما بعده قیداً للقنوت الذی هو المبتدأ لیكون الخبر قوله (علیه السلام) «فی الركعة الثانیة» حتى یقال إن مقتضى حصر المبتدأ فی الخبر المستفاد من تعریفه باللام هو اختصاص القنوت فی الوتر بالركعة الثالثة.

و لكنه غیر واضح، كیف و لو أُرید ذلك، بأن كان (علیه السلام) بصدد بیان حصر موضع القنوت من الركعات لأمكن بیانه بتعبیر أنسب و ألخص، كأن یقول: القنوت فی الصلوات فی الركعة الثانیة، و فی الوتر فی الثالثة، بل الظاهر أنه (علیه السلام) بصدد بیان موضع استحبابه من الصلوات و أنه منحصر فی الجهریة الذی عرفت أنه مبنی على التقیة مع بیان موضع القنوت «1» فیها، فقوله (علیه السلام) «فی المغرب» خبر للمبتدإ، لا أنه قید فیه لیدل على نفیه عن ثانیة الشفع فلاحظ. إذن فالعمومات أو الإطلاقات الدالة على استحبابه فی كل ركعتین سلیمة عما یصلح للتقیید.

ثم إن صاحب الحدائق استدل على عدم مشروعیة القنوت فی الشفع بما ورد فی غیر واحد من الأخبار من الأدعیة المأثورة فی قنوت الوتر، بتقریب أنّ منصرف هذا اللفظ فی لسان الروایات إنما هو الركعات الثلاث، إذ لم یطلق فیها على الركعة الواحدة المفصولة إلا فی روایة ضعیفة و هی روایة رجاء بن أبی الضحاك غیر الناهضة للمعارضة مع تلك الأخبار المتكاثرة، فلو كان فیهما قنوتان أحدهما للشفع و ثانیهما للركعة الثالثة للزم تقیید تلك الأدعیة بالقنوت الثانی، و لم یحسن معه هذا الإطلاق، و هذا خیر شاهد على أن الركعات الثلاث لا تتضمن إلا قنوتاً واحداً»

.

و لكنك خبیر بأن هذه الدعوى من متضلع مثله فی الحدیث و الأخبار من غرائب الكلام، ضرورة أن إطلاق الوتر على خصوص الركعة المفصولة فی لسان الروایات كثیر و لا ینحصر فی تلك الروایة الضعیفة، و إلیك بعضها:

 (فمنها:) ما رواه الفضل بن شاذان عن الرضا (علیه السلام) و فیها: «... و الشفع و الوتر ثلاث ركعات تسلّم بعد الركعتین ...» إلخ «1».

 (و منها:) ما رواه الصدوق فی الخصال بإسناده عن الأعمش عن جعفر بن محمد (علیه السلام) و فیها: «... و الشفع ركعتان و الوتر ركعة ...» إلخ «2».

 (و منها:) روایة الفقه الرضوی و فیها: «... و تقرأ فی ركعتی الشفع ... و فی الوتر قل هو اللَّه أحد» «3».

 (و منها:) ما رواه فی تفسیر القمی عند قوله تعالى وَ الشَّفْعِ وَ الْوَتْرِ .. إلخ، الشفع ركعتان و الوتر ركعة «4».

أضف إلى ذلك: الروایات الواردة فی الوتیرة الناطقة بأنها بدل الوتر التی منها صحیحة الفضیل بن یسار و فیها «... و الفریضة و النافلة إحدى و خمسون ركعة، منها ركعتان بعد العتمة جالساً تعدّ بركعة مكان الوتر» «5»، فإنّ البدلیة المزبورة إنما تتجه لو أُرید من الوتر الركعة الواحدة، إذ لو أُرید الثلاث لكانت الركعتان عن جلوس بدلًا عن ثلاث ركعات عن قیام و هو كما ترى.

و أما فی كلمات الفقهاء فهو منصرف إلى خصوص الركعة المفصولة و لا ریب أنه مقتبس من لسان الأخبار، لوضوح أنه لیس لهم فی ذلك اصطلاح جدید، بل لا یبعد القول بأن إطلاقه فی لسان الروایات على مجموع الركعات الثلاث إنما هو لأجل المماشاة مع العامة، حیث إنهم لا یعتبرون الانفصال أو یرون الاتصال، فیسمون الثلاث الموصولة باسم الوتر، و إلا فالمراد به حیثما أُطلق هو الركعة الثالثة المفصولة، و علیها نزّل إطلاق الأدعیة المأثورة فی قنوت الوتر، فلا إطلاق فیها لیحتاج إلى التقیید كما أُفید، بل هو منصرف إلیها.

                                                              موسوعة الإمام الخوئی، ج‏11، ص: 68

........................................................

حرمه الرقص :

 فی الحدیث أن رسول الله ص نهى عن الضرب بالدف و الرقص و عن اللعب كله و عن حضوره و عن الاستماع إلیه و لم یجز ضرب الدف إلا فی الإملاك و الدخول بشرط أن تكون فی البكر و لا تدخل الرجال علیهن.

                        غوالی اللئالی العزیزیة، ج‏1، ص: 260

عَوَالِی اللآَّلِی، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص أَنَّهُ نَهَى عَنِ الضَّرْبِ بِالدَّفِّ وَ الرَّقْصِ وَ عَنِ اللَّعْبِ كُلِّهِ وَ عَنْ حُضُورِهِ وَ عَنِ الِاسْتِمَاعِ إِلَیْهِ وَ لَمْ یُجِزْ ضَرْبَ الدَّفِّ إِلَّا فِی الْإِمْلَاكِ وَ الدُّخُولِ بِشَرْطِ أَنْ یَكُونَ فِی الْبِكْرِ وَ لَا یَدْخُلَ الرِّجَالُ عَلَیْهِنَّ

                                مستدرك‏الوسائل ج : 13 ص : 218

 عن السكونی قال: قال رسول الله صلى الله علیه و آله: أنهاكم عن الزفن و المزمار، و عن الكوبات و الكبرات.

(و الزفن) اللعب و الرقص (و الكوبة) النرد أو الطبل أو البربط (و الكبر) محركة الطبل ذو الرأسین أو الطبل الذی له وجه واحد.

                        روضة المتقین فی شرح من لا یحضره الفقیه، ج‏10، ص: 162

یمكن الاستدلال على حرمة الرقص بطائفتین من النصوص:

الاولى: موثقة السكونی عن أبی عبد اللَّه (علیه السّلام) قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم)

أنْهاكُمْ عَنِ الزَّفْنِ وَ الْمِزْمارِ وَ عَنِ الْكُوباتِ وَ الْكَبَراتِ «فروع كافى - وسائل الشیعه».

لا إشكال فی سندها كما أنّ الأظهر تمامیة دلالتها، نظراً إلى كون لفظ «الزفن» بمعنى الرقص كما ذكر فی أكثر مجامع اللغات فراجع.

و أمّا التوهّم بأنّ هذه الروایة فقرةٌ من حدیث مناهی النبی (صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم) و لمّا تعلق فیه النهی بكثیرٍ من غیر المحرمات فلذا یشكل ظهور النهی عن الزفن فی الحرمة.

ففیه ما لا یخفى حیث إنَّ هذه الموثقة قد رواها الكلینی مستقلا فی فروع الكافی. و ما تعلق به النهی فیما من المزمار و الكوبات و الكبرات من آلات الملاهی فلا إشكال فی حرمة استعمالها بكیفیة مناسبة لمجلس الرقص و الطرب.

                        دلیل تحریر الوسیلة، ج‏6، ص: 217

............................................................

تعلّق الخمس بهذا العنوان تشریعاً ممّا تسالم علیه أصحابنا الإمامیّة رضوان اللَّه علیهم أجمعین «1»، و لم ینسب الخلاف إلّا إلى القدیمین «2»، و عبارتهما غیر ظاهرة فی النسبة، و على أیّ فقولهما على تقدیر صدق النسبة مسبوق بالإجماع و ملحوق به، مضافاً إلى تحقّق السیرة العملیّة بین المتشرّعة المتّصلة بزمان الإمام (علیه السّلام).

و یدلّ علیه قبل كلّ شی‏ء الآیة الشریفة الوحیدة الواردة فی باب الخمس؛ و هو قوله تعالى وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَیْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِی الْقُرْبى‏ وَ الْیَتامى‏ وَ الْمَساكِینِ وَ ابْنِ السَّبِیلِ «3» فإنّه لا ینبغی الإشكال فی توجّه الخطاب إلى جمیع المؤمنین بل المكلّفین، نظیر قوله تعالى وَ اعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ

 «4» و سائر الموارد التی هی من هذا القبیل، و مجرّد المسبوقیة و الملحوقیة بآیات القتال لا یستلزم أن یكون الخطاب متوجّهاً إلى خصوص المجاهدین، كما ذكره الفخر الرازی «5» نظیر ذلك فی ذیل آیة التطهیر المختصّة موضوعاً بالخمسة، و العامّة حكماً لجمیع الأئمّة المعصومین (علیهم السّلام)، و قد بیّنا تحقیق ذلك بما لا مزید علیه فی رسالة «آیة التطهیر، رؤیة مبتكرة» «1».

و ما ذكره الفخر «2» من الكلام الباطل عبارة عن كون مسبوقیة آیة التطهیر بأحكام زوجات النبیّ (صلّى اللَّه علیه و آله) و ملحوقیّتها بها قرینة على اختصاص موردها بالزوجات مع أنّها ممنوعة كمال المنع.

و بالجملة: فالظاهر أنّ المخاطب فی آیة المقام عامّ غیر مختصّ.

و أمّا قوله أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَیْ‏ءٍ فالظاهر أنّ المراد به مطلق ما ربحتم و استفدتم من شی‏ء و لو كان قلیلًا.

و ما ربّما یقال من اختصاص معنى الغنیمة بخصوص غنائم دار الحرب فهو على تقدیر صحّته و إن كان لا یساعده اللغة «3» و لم یثبت اصطلاح فی ذلك، و إن كان ربّما یؤیّده بعض الروایات المتقدّمة «4» الوارد فیها هذا العنوان عطفاً على الكنوز و المعادن و الغوص؛ نظراً إلى ظهور العطف فی المغایرة كما تقدّم لا یستلزم اختصاص الآیة المشتملة على قوله: «ما غنمتم» بذلك، و لعلّه لذا حكی عن تفسیر القرطبی «5» و غیره أنّ الآیة فی نفسها ظاهرة فی العموم و إن كان الإجماع بنظرهم على خلافه، لكن إجماعهم لا یكون حجّة عندنا؛ لعدم ثبوت رأی المعصوم (علیه السّلام) بسببه و لا حجّیة فیه فی نفسه، خصوصاً بعد مخالفة أصحابنا الإمامیّة لهم كما عرفت.

و بالجملة: لو كنّا نحن و الآیة لما كان هناك دلیل على اختصاصها بغنائم دار الحرب، كما لا یخفى على من اجتنب التعصّب.

ثمّ إنّ هاهنا إشكالًا مهمّاً؛ و هو أنّه یرى الفرق بین الزكاة و الخمس من ناحیة ثبوت التشكیلات لجمع الزكوات من بلاد مختلفة و وجود العاملین لأخذها و جبایتها، و یكون فی هذا المجال قضایا معروفة كقصّة مالك بن نویرة و غیرها، و أمّا الخمس فلا یرى له لا فی زمن النبیّ (صلّى اللَّه علیه و آله) و لا فی زمن من بعده من الزعماء و حتّى فی زمن الخلافة الظاهریة لوصیّ النبیّ (صلّى اللَّه علیه و آله) أمیر المؤمنین (علیه السّلام)، الذی كانت مدّة خلافته زائدة على خمس سنوات عمل مثل الزكاة من الأخذ و الجبایة، و إن كان قد حكی فی هذا المجال فی بعض صحاح أهل السنّة بعض القصص و المقالات، لكنّها على فرض صحّتها أُمور جزئیّة غیر قابلة للقیاس مع مسألة الزكاة، خصوصاً مع تعلّقها بأشخاص مخصوصین، و الخمس متعلّق بالأرباح مطلقاً.

و بالجملة: لم یوجد لهذا القسم من الخمس أثر إلى زمان الصادقین (علیهما السّلام) اللذین بیّناه فی ضمن روایات غیر كثیرة، فما الفرق بین الزكاة و الخمس من هذه الجهة؟

و قد زعم بعض الأعلام (قدّس سرّه) أنّه یمكن التفصّی عن الإشكال بوجهین مترتّبین:

 (أحدهما:) ما یبتنی على مسلكه من تدریجیّة الأحكام و جواز التأخیر للتبلیغ عن عصر التشریع بإیداع بیانه من النبیّ (صلّى اللَّه علیه و آله) إلى الإمام (علیه السّلام) لیظهره فی ظرفه المناسب له حسب المصالح الواقعیّة الباعثة على ذلك، بل قد یظهر من بعض النصوص أنّ جملة من الأحكام لم تنشر لحدّ الآن، و أنّها مودعة عند ولیّ العصر عجّل اللَّه تعالى‏ فرجه «1».

و یرد على هذا الوجه أنّ تدریجیّة الأحكام و تشریعها كذلك فی زمن النبیّ (صلّى اللَّه علیه و آله) و إن كان ممّا لا ینبغی الإشكال فیه، ضرورة عدم صدور جمیع الأحكام دفعة واحدة و واحداً بعد آخر متّصلًا، و كذا لا ینبغی الارتیاب بملاحظة بعض الروایات أنّ جملة من الأحكام مودعة عند بقیّة اللَّه عجّل اللَّه تعالى‏ فرجه، إلّا أنّ الحكم المشروع الثابت فی القرآن و ظهوره فیه كیف أودع بیانه من النبیّ (صلّى اللَّه علیه و آله) إلى الإمام (علیه السّلام)، مع أنّه لا شاهد فی الآیة الشریفة على تأخیر إجرائه و عدم كون المقصود عدم إجرائه فی مدّة من الزمن، فأیّ فرق بین هذه الآیة و الآیة الواردة فی الحجّ و مثله؟ فهذا الوجه لا یكاد یمكن التخلّص عن الإشكال به.

 (ثانیهما:) مع الغضّ عن ذلك المبنى إبداء الفرق بین الزكاة و الخمس؛ لأنّ الأوّل ملك للفقراء و مثلهم و مصروف فی مصالح المسلمین، و فیه قد أمر (صلّى اللَّه علیه و آله) بالأخذ من أموالهم فی قوله تعالى خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً .. «1» و أمّا الخمس فهو حقّ له (صلّى اللَّه علیه و آله) و لأقربائه، فیشبه الملك الشخصی، و لا یناسب الأخذ فیه مثل الأخذ فی باب الزكاة؛ لجلالة شأنه و عظمة مقامه (صلّى اللَّه علیه و آله) «2».

و یرد على هذا الوجه أنّ مقتضاه الفرق بین الزكاة و الخمس من جهة وجود التكرار فیها و العطف على الصلاة كثیراً فی الكتاب العزیز، إلّا أنّ عدم انحصار الخمس به (صلّى اللَّه علیه و آله) لا یقتضی عدم الاعتناء بشأنه، خصوصاً مع ملاحظة مثل قوله تعالى وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ «3» كما لا یخفى‏

و الحقّ أن یقال: إنّ بُعد العهد و كثرة الفصل بین مثل هذه الأزمنة و بین زمن النبیّ (صلّى اللَّه علیه و آله) و مثله أوجب الجهل بما فی زمانه و مثله، خصوصاً مع وجود أُمور أُخر مانعة عن ظهور الأحكام الإسلامیّة و رواجها، مثل تغیّر مسیر الخلافة و انحرافها عن موردها الأصلی، و مثل حكومة من لا یرى البهاء إلّا لنفس الحكومة لا لكونها طریقاً لإجراء أحكام الإسلام.

و معاملة معاویة مع المصالحة التی عقدها مع الحسن (علیه السّلام) معروفة، و قوله لمغیرة بعد سماع معاویة الشهادة بالرسالة من المؤذِّن مشیراً إلى الرسول (صلّى اللَّه علیه و آله): «إنّ هذا الشخص جعل اسمه قریناً لاسم اللَّه تبارك و تعالى و اللَّه دفناً دفناً» «1» و أشار بذلك إلى السعی فی إمحاء الدین إلى مرحلة الفناء المحض، و قول أبیه لجمع من أقربائه عند وصول الخلافة إلى الثالث ما یرجع إلى أنّه لا دین و لا رسالة و أمرهم بتلقّف الخلافة تلقّف الكرة «2»، و هكذا خلفاء بنی العبّاس، و علیه فلا عجب فی إخفاء أمر الخمس خصوصاً مع دلالة آیة وحیدة على ذلك.

و ممّا یؤكّد هذا الأمر أنّ النبیّ (صلّى اللَّه علیه و آله) مع توضّئه كثیراً بمحضر من الناس للصلاة الیومیّة و غیرها صار وضوؤه مخفیّاً للناس إلى هذه الأزمنة أیضاً، و قد ورد فی كثیر من الروایات حكایة وضوء النبیّ و بیان كیفیّته، و حینئذٍ فلا مانع من خفاء حكم الخمس، خصوصاً مع تعلّقه بالرسول و أقربائه، و بناء الحكومات على عدم شیوع أمرهم و عدم تحقّق الاستیلاء لهم بوجه.

و ممّا یؤیّد أنّ أمر الخمس كان معمولًا به فی زمن النبیّ (صلّى اللَّه علیه و آله) أیضاً أنّ أصحاب الخمس كانوا كثیرین و لم یكن لهم طریق للإعاشة نوعاً غیر الخمس، و قد ورد فی الروایات المتواترة بین الفریقین أنّ الخمس جعله اللَّه لبنی هاشم عوضاً عن الزكاة و أنّ الزكاة علیهم محرّمة «1».

و على فرض عدم مشروعیّة الخمس فی ذلك الزمان أو القول بالاختصاص بغنائم دار الحرب یلزم عدم إدامة ما هو عوض عن الزكاة دائماً؛ لعدم وجود الحرب مع الكفّار إلّا قلیلًا، فاللازم القول بثبوت المشروعیّة و الجریان فی جمیع الفوائد و الأرباح.

                                            الخمس و الأنفال (للفاضل)، ص: 107 الى 112